منير سلطان
77
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
وراح الرماني يضرب لنا الأمثال موضحا ما ذهب إليه ، وكان ذلك في صورة حوار فلسفي أشتهر به المتكلمون ، يقوم على افتراض سؤال من السائل ثم الرد عليه بقوله « فإن قال قائل كذا قيل له كذا . . . » وهذه الأسئلة في حقيقة أمرها هي آراء المعارضين لهم . كان ما سبق ، هو الجانب الكلامي من جهد الرماني في الإعجاز ، وإذا كان لم يسهب فيه القول ، فلأنه أفاض الحديث في الوجه السابع من وجوه الإعجاز عنده ، وهو الجانب البلاغي . فالقرآن الكريم معجز لبلاغته ، وللأسباب الستة الأخرى التي ذكرها الرماني . وهو لا يرى أن البلاغة مجرد أفهام المعنى ، لأنه قد يفهم المعنى متكلمان أحدهما بليغ والآخر عيى أي مخلّط في الكلام ، مضطرب في عقله . وليست البلاغة تحقيق اللفظ على المعنى ، لأنه قد يحقق اللفظ على المعنى وهو غثّ مستكره ، ونافر متكلّف ، إنما البلاغة « إيصال المعنى إلى القلب في حسن صورة من اللفظ » . ثم يفصل هذا التعريف بأن البلاغة على ثلاث طبقات ، عليا ووسطى ودنيا ، والعليا هي بلاغة القرآن والوسطى والدنيا هي بلاغة البلغاء حسب تفاوتهم في البلاغة ، ثم توقف عند الإيجاز ، ويعرفه بأنه تقليل الكلام من غير إخلال بالمعنى « ثم يقول أنه على وجهين إيجاز حذف هو ما سقطت فيه كلمة للاستغناء عنها بدلالة غيرها من الحال ، أو من فحوى الكلام ، كحذف الأجوبة في القرآن في مثل « وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى » « 1 » ( الرعد - 31 ) إذ لم يذكر الجواب كأنه قيل : لكان هذا القرآن . ومما ساقه من أمثلة هذا النوع ، قوله تعالى ( وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ) ( يوسف - 82 ) أي أهل القرية ، والوجه الثاني ، أو النوع الثاني للإيجاز ، ايجاز القصر ، وهو بناء الكلام على تقليل اللفظ وتكثير المعنى من غير حذف مثل « وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ » « 2 » ( البقرة - 179 ) .
--> ( 1 ) الرماني - النكت في إعجاز القرآن 69 . ( 2 ) نفس المصدر 70 .